(11)
"الفِصح"
للفِصح في ذاكرتي مكانة خاصة تتجاوز الفَرحة بشِراء ثَوب العيد الجديد وَالحصول على عيدية من العمّات والأخوال وَتناول حُصّتي من الدّجاجة الشّهيّة التي أعدّتها الوالدة. فلِمَراسم العيد في مدينة القُدس بهجة خاصة. وَبالنّسبة للطوائف المسيحيّة في المدينة التي تتبع التّقويم الشّرقي، يُعتبَر "الفصح" تقليداً فولكلوريّاً توارثته أجيالٌ تلوَ أجيال.
تبدأ تلك المَراسم مع حلول فصل الرّبيع، في "آذار" وأحياناً في "نيسان" أو بِداية "أيّار" كما في هذا العام. وتَستمر أربعينَ يوماً وهِي فترة صَوم لدى المسيحيين يمتنعون فيها عن أكل كُل ما مصدره حيواني ليتوّج الصّيام بعيد الفصح أو "أحد القيامة" كما يُطلَق عليه.
وتترافق هذه الفترة مع حضور أبناء الطوائِف المسيحيّة "الشّرقيّة" القُدّاس الأسبوعي المسائي الذي يُقام تحتَ قُبّة كنيسة القيامة مساء كُل يوم جُمعة على مدار حوالي ستّة أسابيع حيثُ يجري ترديد التّرانيم الدّينيّة التي يُطلَق عليها اسم "المدايح". وتُسّمى "الجُمعة" الأخيرة منها قبل "أحد الفِصح" بِالجُمعة العظيمة أو "جُمعة الآلام" وترمُز وفق المُعتقد الدّيني إلى صَلب المَسيح وموته ودفنه في كنيسة القِيامة. أمّا "الأحد" الأخير الذي يسبق "أحد الفِصح" فيُسّمى بِ"أحد الشّعانين".
تُعتبر مَسيرة "أحد الشعانين" التي تطوف شوارع وأزقّة وحواري البلدة القديمة في القدس وفي مُحيط سورِها بروتوكولاً مُتّبعاً منذ عُقود. ويُعتبر "السّبت" الأخير الذي يسبِق "أحد الفصح" بيَومٍ واحد خاتمة الصِّيام الأربعيني ويُسّمى "سَبت النّور".
في هذا اليوم، وإلى ما قبل أن تفرض سُلطات الاحتلال الإسرائيلي حِصاراً حول مدينة القُدس بداية الألفيّة الثّانيّة، كانَت حُشودٌ مِن أبناء الطّوائف المسيحيّة من مُدُنٍ وبَلدات فلسطينيّة مُختلفة إضافةً إلى الحُجّاجٍ الآتين من الخارج يشدّون الرّحال إلى مَدينة القُدس. يتجمّع كُل هؤلاء تحتَ قُبّة "القيامة" وفي ساحَتِها الخارجيّة منذ ساعات الفَجر.
كعك يتوسطّه بيضة حمراء ينتشر في مخابز البلدة القَديمة في القُدس فترة أعياد الفصحفلهذا اليوم رمزيّته الدينيّة الخاصة عند المسيحيين، حيثُ يُعتقد بأنّ نوراً يشّع من
قبر السّيّد المسيح الكائن في قلب "القِيامة" عند السّاعة الواحدة ظُهراً. ويتّم الاحتفال بظهور النّور من خلال إيقاد الشّموع التي أتى بها المُصّلون وحملوها بأيديهم منذُ ساعات الصّباح الباكِر انتظاراً لهذه اللّحظة وذلك على إيقاع قرع أجراس الفرح في "القيامة" وكنائس القُدس الأخرى. من ثمّ تَخرُج الحُشود من داخل الكنيسة بالشّموع على شكِل زفّة عُرس تطوف في حواري وأزّقة "حارة النّصارى" داخل البلدة القديمة تتقدّمها الحركات
الكَشفية وجمعٌ من بطاركة ومطارنة وكهنة وشّماسّو ومخاتير ووجهاء الطّوائف المسيحيّة المُختلفة. ويتّم "ايصال النّور" المُنبثق من قبر المسيح في كنيسة القيامة في قلب القُدس إلى عواصم عربيّة وعالميّة أيضاً إضافةً إلى المُدن الفلسطينيّة الأخرى وبالأخص مدينتَي بيت لحم جنوباً ورام اللّه شمالاً.
لا تقتصر "زفّة" سبت النّور الكرنفاليّة على مُشاركة المسيحيين فحسب وإنّما تتخذ بُعداً فلسطينيّاً شعبيّاً أوسع. وغالباً ما كانت تتحوّل إلى شكل من أشكال التّظاهرات الاحتجاجيّة على استمرار احتلال الاسرائيلي للقُدس يرفع فيها المُشاركون الأعلام الفلسطينيّة ويبدأون بترديد الأهازيج الشعبية والأغاني الوطنيّة ومنها على سبيل المثال،
بِلادي بِلادي بِلادي لكِ حُبّي وفؤادي
وَ
"سبت النّور وعيّدنا عيد سيّدنا
سيّدنا عيسى المسيح
والمسيح فَدانا بدمه اشترانا
واحنا اليوم فراحا واليهود حزانا
احتفالات سبت النّور في باحة كنيسة القيامة في ظل الحُكم الأردني في خمسينيّات القرن الماضي
استمر
زَخم طقوس الاحتفاء بعيد الفصح المجيد إلى مُنتصف تسعينيّات القرن الماضي إلّا أنّه ومع بدء الحِصار
التّدريجي الذي فرضته سلطات الاحتلال الإسرائيلي على مدينة القُدس نهاية التّسعينيّات بدأت مظاهر إحياء هذه المُناسبة بالتّراجع بسبب القُيود التي حالَت دونَ دُخول الفلسطينيين إلى المدينة المُقدّسة. رُغم هذا وذاك يُحاول المقدسيّون جاهدين الاستمرار بالحِفاظ على تقاليد الفِصح كجُزء من تاريخ المدينة وأصالتها وَعروبتها.
للحديث بقيّة...
نُشِرَ في 1 نيسان 2021





