الأربعاء، 3 مارس 2021


تَقديم:

لَم يخطُر لي عندما كُنتُ أدوّن نُصوصاً من وحي ذكريات الماضي أنّ ذاكَ سيقودُني إلى إنشاء مُدّونة خاصة بها. ومَن يدري! فقد تنضُج الفكرة وتتطوّر مع مرور الأيّام لتتحوّل إلى أكثر من مُدّونّة. نعم، لقد راقَت لي الفكرة ووجدتني يوماً تلو اليوم أستَسلِم لَها تدريجيّاً. فالحياة مع تقدّم العُمر تُصبِح "ماراثوناً" يُسابِقَ فيها المَرء الزّمن قبلَ أن ينالَ منه ومن طاقته وحماسته وذاكرتِه. يَدفعُك كُل هذا وذاك إلى المُباشرة فوراً بتنفيذ ما ترغب به قبل أن يَفوتَك القِطار حيثُ عِندها لن ينفعك النّدم. 

تَضُّم مُدّونتي سلسلة من الخَواطِر التي تُلقي الضّوء على بعضٍ من جوانِب حياة أربعة أجيال في مدينة القُدس منذُ بداية القرن الماضي إلى اليوم بدءاً من الجيل الأوّل المُتمثّل بشكلٍ رئيسيّ بشَخصَي الجدّين أبو وإم ميشيل والجارَين أبو وإم خليل وجميعهم عاصروا حقبات تاريخيّة مُتتاليّة، الحُكم العُثماني، الإنتداب البريطاني والوصاية الأردنيّة وبداية الإحتلال الإسرائيلي وصولاً إلى جيلٍ رابِعٍ فَتَح عينيه على الإحتلال الإسرائيلي. أمّا كاتِبة النّصوص وصاحبة المُدّونّة فَتَنتمي إلى الجيلَين اللّذين يتوسّطهُما، أو لِنقُل جيل عام الرّعد أي جيل نكسة العام 1967. أمّا لماذا عام "الرّعد" فللحديثِ بقيّة ولكل مقامٍ حِكاية.

يَأتي السّرد في مقاطِعَ مُتناثرةٍ تتناوَل جوانِب من الحياة اليوميّة للأجيال الأربعة بأسلوبٍ مُبّسّط مع الإستعانة ببعض الصّور من أرشيف العائلة الخاص أحياناً ومِن مواقِع على الشبكة العنكبوتيّة أحياناً أخرى. كما تستحضِر الرّاويّة، لا الرّوائيّة، وهِيَ ابنة أجيال السبعينيّات والثمانينيّات والتسعينيّات وما بعدها قِصصاً مُستوحاة من ذكرياتٍ أتت على لِسان الأسلاف، ويَعود تاريخ البعض منها إلى ما قبل مائة عام ويَغلِب عليها الطّابِع الإنساني الذي يَسهُل معه الرّبط بين ماضٍ يبدو غريباً بالمنظور الآني ومُستقبلٍ يَظهَرُ وكأنّه سيكون مبتوراً عن حاضرِ اليَوم.

لا ادّعاء بأنّ المرويّات في المُدّونة هُنا تُعطي القارىء صورة تفصيليّة شاملة ومُعمقّة عن طبيعة الحياة التي سادَت في مرحلة تمتد على مدار حوالي مائة عامٍ مضوا وإنّما في نَقلِها مُحاولة لتَرسيخ دعائم فُصول "رِواية" جرى ضَرب مصداقيتَها في الصّميم في وضح النّهار. "رِواية" تعرضّت للتزوير على مر العُقود والأزمنة وَ"صُوَر رعد ورد" ليست سوى مُساهمة متواضعة على طريق إستعادة تِلك الرّواية وتَحصينها في وجه المَزيد من التشويه الذي تتعرّض له لعلّ ذلك بدورِه يؤسّس لخاتمة أكثر عدالةً وهذا أضعف الإيمان.

أمّا المُفارقة فأنّ يكون قد جرى تجميعها، أي هذه الحكايا المُتفرّقة خِلال أحد أسوأ أعوام هذا القرن. إنّهُ العام 2020 حيثُ ضَرَبَت جائحةٌ كوكباً بأكمله وفتكَت بملايين أبناء البشر من ساكِنيه. رُبّما كانَت "كورونا" بهذا المعنى "الضّارة" التي أتَت بالنّفع ودفعت بالقَلم إلى ترجمة فِكرة عفويّة طارئة لنُصوصٍ مكتوبة على وَرَق. وكأنّ هذا الفَيروس جاء ليقرَعَ الخزّان وليُذكّرنا أنّ قيمة الحياة تَكمُن في كيفية نظرتنا إليها وتعاطينا مع تَراتُبيّة الأولويّات فيها وليكبَح جماح نمطٍ معيشي استهلاكي مُتسارِع اعتدنا عليه خلال العقدَين الاخيرَين دونَ حَسيب ولا رَقيب وليحثّنا على التَريُّث وإلتقاط أنفاسنا بعض الشيء لعلّنا بعدها نكتشِف ذواتِنا من جديد ونُقدّم ما فيه من فائدة وخَير وقيمة للآخرين قبلَ أن يُباغِتنا القَدَر بمَوعِد الرّحيل.َ 

تاريخ النشر، 20 كانون الثّاني/ يناير 2021

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أوتوغراف