الأربعاء، 17 مارس 2021

 (9)

"اونروا"

لم أكُن أعرف الكثير عن تلك المنظمّة الاغاثيّة الأممية التي تمّ تأسيسها بموجب قرار صادِر عن الأمم المُتّحدة في 8 كانون أوّل عام 1949. كُل ما كُنتُ أعلمه كطفلة لم تتجاوز السّابعة أو الثّامنة أنّ الوالدة وهِيَ مِن مواليد العام 1927 قد بدأت العمل في المقر الرّئاسي لتلك المُنظّمة في الشّيخ جرّاح في القُدس عندما كانت في مُنتصف عشرينياتها. بقِيَت تعمل فيها إلى أن وصلت سن التّقاعُد في منتصف ستّينيّاتها.

مِن هُناك، مِن مقّر وكالة الأمم المُتّحدة لاغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في القُدس ومن تلكَ الأيّام لا أزال أحتفِظ بذكرياتٍ طَريفة. فقد كُنتُ أنتظر العُطل الصيفية المدرسية سنويّاً بفارِغ الصّبر كي تُتاح لي فُرصة مُرافقة الوالدة مرّة أو مرّتَين إلى مقّر "الأونروا" حيثُ يَطيبُ لي الجُلوس إلى جانبها خلف مَكتبِها وأمامي آلة كاتبة إضافيّة أُطَقطِق على مفاتيحها بأصابعي الصّغيرة. وما أن أنتهي من تحقيق مُرادي حتّى أنهض عن الكُرسي وأبدأ بجولة في المّمّرات بينَ مَكاتِب المُوظّفين، أتلصّص على ما يفعلون ومن ثمّ أتسلل إلى الساحات الخارجية  لأُراقِب عملية إنزال أكياس الخيش من بعض الحافلات التي تقف في طابورٍ طويل ليتم نقلِها إلى المخازِن.

لم أكُن أعلَم وقتها بِما حُشِيَت به تلك الأكياس الضّخمة لَكّنَّ المَشهد ظلّ راسِخاً في ذاكرتي إلى أن كبرت. عندها أدركت خلفية القصة َوبأنّها كانت تحتوي على الطّحين والسُكّر والأرز، وَبأنّها كانَت بمثابة مونة شهريّة يتلّقاها الفلسطينيّون الذين هُجّروا عن أراضيهم وجُرّدوا من أملاكهم في العام 1948 وانتهى بهم المطاف في مُخيّمات اللجوء الفلسطينيّة في بُلدان عدّة.

أمّا بالنِسبة لي فلم يكُن قضاء يوم من أحد أيّام العُطلة الصيفيّة المدرسيّة السّنوية برفقة الوالدة في مقَّر "الأونروا" إلّا مُغامرة استكشافيّة شيّقّة خاصةً وأنّها تَنتهي بعودتي إلى البيت مع كومات من حبّات الشوكولاطة التي كان زُملاء الوالدة في العمل يضعونها في جيوبي بعدَ أن يطبع كُلٌّ واحِدٍ مِنهم  قُبلتَين على وجنتي المُحمرّتَين خجلاً.

 


مقر الأونروا، الشيخ جرّاح القُدس

 

 ...للحديثِ بقيّة

نُشِرَ في 18/3/2021

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أوتوغراف