(6)
كانون
لا أزال أَذكُر كانون أبو ميشيل بلونِه النُّحاسي البرّاق مُنتصباً في غُرفة الجلوس ذات الأرضيّة الخشبيّة. كُنّا نحنُ أحفاده نَلتَم حولَه في أيّام "كَوانين" فصل الشّتاء البارِد. يترّبع أحدُنا قُرب الآخر لنُشكّل حلقة مُغلقة حوله. لم يُؤَدِ الكانون دورَه مدفأة للبَيت فقط، حيثُ كانت تَستخدمُه أم ميشيل لتغلي عليه الماء وتُعِد لنا القهوة والشّاي أيضاً. كان هذا يَستغرِق دهراً بالنّسبة لنا إلّا أنّ الاستماع إلى حكايا أبو ميشيل لطالما أنسانا الانتظار. كما أنّ تَغميس الخُبز بالزّعتر والزّيت ومُرّبى المِشمش الذي كانَت تأتينا بهم إم ميشيل على طَبليّة خشب وتَضعُها أمامَنا كانَ يَضيف إلى الجلسة مُتعةً وجوّاً من الفَرَح.
أبو ميشيل يحمِل صاحبة المُدّونة في ميلادها الأوّل 1965
إلى جانِب الكانون على الأرض كانَ هُناك صينية بلاستيكية فيها ثلاث أو أربع عُلَب سَجائر من النّوع الوَطني "الفاخِر". فقد جرت العادة أن يَعرِضَ صاحِب البَيت على ضيوفه السّجائر مع فنجان القهوة حتى وإن لم يكونوا مِن المُدّخنين. كانَ أبو ميشيل كُلّما طرقَ أحدٌ باب الدّار دون سابق إنذار كما جرت العادة في تلك الأيّام يُنادي إم ميشيل بأعلى صوته ليسألها همساً عن صينية التّتُن.
بَيت أبو ميشيل فوق سطح قُبّة "القيامة" في البلدة القديمة في القُدس، صيف 2018
التّتُن هو المُصطلح التّركي للدُخان. فقد عاشَ أبو ميشيل سنوات حياته الأولى ومن ثمّ شبابه في ظل الحُكم العُثماني قبلَ أن تنتهي تلك الحقبة وتقع فلسطين في قبضة أتباع المِستر بلفور البريطاني.
بعدَ أن "انتكَبَ" أبو ميشيل عام 1948 وهُجّر عن بيته في حَي القطمون في الشطر الغربي من مدينة القُدس انتقَلَ وأبناؤه وبناته العشرة للعيش في الشّطر الشّرقي من مَدينة القُدس الذي بقِي تَحت الوصاية الأردنيّة حتّى احتلاله في العام 1967 الذي أطلِق عليه عام النكسة. بعدَ نكسة "عام الرّعد" عاشَ أبو ميشيل الفَصل الأخير من فصول حياته تحت الإحتلال الإسرائيلي إلى أن انتقلَ إلى رحمته تعالى في منتصف سبعينيّات القرن الماضي.
صاحبة المُدّونة في ميلادها الأوّل بين ذِراعَي جدّتها أم ميشيل، 1965
على الرّغم من النّكبة والنَكسة وما بينهما من انكسارات ظَلّ أبو ميشيل في عافيته إلى سِن مُتأخرة من حياتِه. لم تتأثر صِحتُّه وذاكرتُه بكُل تلك المُنعطفات التّاريخيّة التي كانَ شاهِداً عليها في المنطقة. يصحو فَجراً من سريره، يرتدي ملابسه، يحتسي قهوتَه مع أم ميشيل ومن ثمّ يَضع طربوشه الأحمر على رأسه و يتناول عُكّازته الخشبيّة ويتوجه عند حوالي الثّامنة صباحاً إلى مقهاه في باب الخليل. كانَ المقهى يُعرَف بِ"قهوة المُختار". كما أطلَقَ عليه بعض أُدباء وكُتّاب ومُثقّفي القُدس الذين كانوا يلتقون فيه اسم "قهوة الصّعاليك".
باب الخليل سبعينيات القرن الماضي
يعود تاريخ قهوة المُختار أو قهوة الصّعاليك إلى العام 1918، أي إلى أيّام الحرب العالميّة الأولى وقد أسّسها أبو ميشيل، عيسى بن ميشيل الطّبة لتكونَ مقرّاً لَه بعد إنتخابه مُختاراً لطائفة الرّوم الأرثوذكس في القُدس. إلى ما قبل العام 1948 كانَ أبو ميشيل يسير يومياً من بيته في حَي القَطمون في ما باتَ يُعرَف بالقُدس الغربيّة إلى المقهى في الشّطر الشّرقي من المدينة. كان الموقع قبل أن يتحوّل إلى مقهى محطة استراحة للحجاج الاورثوذكس الوافدين من روسيا وقبرص واليونان للمشاركة في احتفالات عيد الفصح في البلدة القديمة في القُدس. بعدَها أصبح إضافة إلى ذلك بمثابة عنوان أيضاً لكُل مَن يحتاج استصدار شهادات ميلاد أو زواج أو وِلادة أو معموديّة من البطريركيّة الأرثوذكسيّة من أبناء الطّائفة.
كراسي وطاولات المقهى خشبيّة، قديمة أكل عليها الدّهر وشرب. أمّا الحيطان فرماديّة مُتماهية مع لون بلاطه. في الجهة المُقابلة لمدخلها الرئيسي بوابة تَقودُك إلى حديقة خلفية فيها بعض الطّاولات والكراسي والنّراجيل المُنتشرة بينها. وفي وَسَطِها نافورة ماء مبنيّة على الطّراز الشّامي تصول وتجول حولها قِططٌ كثيرة بحثاً عن "أرزاقها" من بقايا الطّعام. كانَت تَعلَم أنّ أبو ميشيل كريماً ولن يَبخَل عليها بقطعة "مرتديلا سنيورة" أو جبنة نابلسيّة لَذيذة.
عند استعادة ذكريات "قهوة المُختار" تَجِد نفسَك تُعرّج تلقائيّاً على مَطعم "كوستا" اليوناني المُجاوِر لها. اشتَهَر كوستا بإعداد طَبَق الزّغاليل المحشوّة بالأرُز. لَم يُتقنها أحدٌ مثله. ولطالما ذهبتُ برفقة الوالد والوالدة ظُهر أيّام الآحاد لتناول هذه الوَجبة الشّهيّة في المَطعَم. على الرّغمَ من إنشغالِه إلّا أنّ كوستا كانَ يَخرُج مِن مَطبَخِه في كُل مرّة يَتصبّب عَرَقاً ليُلقيَ التّحية على الزبائن ويتأكدَّ بِنفسِه أنّ الجميع راضٍ عن الخِدمة. يَقول لهُم بالعربيّة ، "صَختين" ويَعود لمُباشرة طَهي الزّغاليل في مَطبخِه.
الرّابِط أدناه لمَقال في موقِع الحِوار المُتمدن عن "مقهى الصّعاليك"، قهوة المُختار يعود تاريخه للعام 2008
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=125246
للحَديث بقيّة...
نُشِر في 25 شباط، فبراير 2021




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق