(8)
السّت كاترينا
لا يزال صوتُها العَذب يَلفّ في حواري ذاكرتي مستحضرًا معه ملامح وجهها البريئة السمحة. إنها الست كاترينا، الجارة التي يفصل بين بيتها وبيتنا بضعة أمتار. امرأة في منتصف الخمسينيات تعيش وحدَها بعد أن فارَق زوجها الحياة مبكرًا وقبل أن يمنحهما القدر فرصة إنجاب الأبناء. كانَت كلما تأتي على ذكره أمام الوالدة ينهمر سيل الدّمع على خدّيها وتجهش في البكاء.
كانَت السّيدة كاترينا خياطة ماهرة. تَجلِس من الصباح الباكر وحتى المساء خلف ماكينة "السينجر"، بين أكوام القماش ومجلات "حوّاء وَ "البوردا" المفرودة أمامها تخيط فساتين النساء والبنات بأزهى الألوان وأرقى الموديلات.
لم يكُن هُناك في سبعينيّات وثمانينيّات القرن الماضي مُجّمعات تِجاريّة كما اليوم. كما أنّ البضاعة في الأسواق كانَت قليلة كمّاً ونوعّاً على عكس اليَوم، الأمر الذي بدوره كانَ يَزيد من قيمتها من جهة، ويُسعفكَ من الحيرة والترّدد بسبب محدوديّة الخيارات مِن جهة أخرى. كانت "الخِياطة" مِن أهم المِهَن للرّجال والنّساء على حَدٍّ سواء.
يَرتبِط اسم السّيدّة كاترينا بذاكرتي بِمريلتي المدرسيّة. فتأمين الزّي المدرسي للطلبة لم يكُن من مسؤولية إدارة المدارس على أيّامنا. كما أنّه لم يكُن في مُتناول اليَد ولا مَعروضاً في محلّات النّوفوتيه و"السوبرماركِت" على الطُرُق العامة كما في هذا العِصر. لذا، كانَ توفيره من مسؤولية الأهل مع بداية كُل عام دِراسي جديد في أيّام أيلول الأولى.
كانت عملية التحضير للسنة الدّراسيّة الجديدة تَستغرق أسابيع بِدءاً بشراء القِماش المطلوب وخياطة "المريول" وصولاً إلى تجليد الكُتب والدّفاتر بعد الحُصول عليها من مكتبات المدارس. كُنتُ والوالدة نذهب إلى محل "التّكروري" للأقمشة وسط شارع صلاح الدّين في القُدس في شهر آب. نشتري بضعة أمتار من القماش "الكُحلي" ونُسّلمه للسِت كارترينا. تأخذ السّت كاترينا مقاساتي من أعلى رأسي حتّى أخمص قَدميّ وتطلُب منّي أن أعود بعد أسبوع أو عشرة أيّام لبروفا أوّليّة حيث يتم خلالها التأكد بأن المقاسات كانت دقيقة. بعدَ أسبوع آخر تكون البروفا الثّانية التي يتّم خلالها "وضع اللّمسات الأخيرة" على "المريول" قبلَ درزِه على ماكنة الخياطة. أحياناً كانَت توصي السّت كاترينا بِبروفا ثالثة احتياطًا لإتمام أي تَعديلات نِهائية واجبة.
للحديث بقيّة...
نُشِر في 11 أذار، مارس 2021
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق