(12)
السّوق
رحمها اللّه... فقد كانت مُرافقة الوالدة إلى السّوق نهاية الأسبوع مُتعة ما بعدها مُتعة وإن تخلّلتها بعض المُنّغصات. السّوق يُطلَق على البلدة االقَديمة في القُدس حيثُ تزدحم الحواري والأزّقة بالنّاس وبسطات بيع الخُضار والملابس والسّكاكر وألعاب الأطفال وحيثُ يُغّني الباعة المُتجوّلون كُلٌّ على ليلاه لترويج بِضاعته وجَذِب أنظار المارّة ودعوتهم للشراء أوَ"فتح أبواب الرّزق" أمامهم.
كانت الوالدة تُدرك قوانين "التّجارة" السّائدة في السّوق جيّداً. كيفَ لا وهِيَ ابنة القُدس أباً عن جد! تُجيد إبرام صفقات شِراء البندورة والخيار والبطاطا بأقل الأثمان وبذكاءٍ شديد. تَرفع سَقف المُفاوضات مع الخُضرجي أو صاحِب البسطة وتقترح عليه سعراً مُتدّنيّاً. من ثمّ تبدأ عملية "الأخذ والعطا" بينهما إلى أن يتمكّنا معاً بالنّهاية من التوصّل إلى تسوية وحَل وسط. كانَت فترة الجِدال والسّجال والمُناورة تَطول أو تقصُر ارتباطاً بطول نفس البائِع وسِعة صدره وصَبره ومدى مُرونته في التّجاوب مع العَرض المُقَدّم.
باب العامود، البلدة القديمة القُدس/ صَيف 2019
في السّوق عموماً تَقوم قواعِد اللّعبة على أساس المُنافسة الشّريفة التي قلّما تنتهي بطوشة وتقاذُف الكّراسي بينَ الباعة. هذا الأمر يُدركه البائع والشّاري على حدٍّ سواء. وهُوَ ما كانَ بدوره يُعزّز موقف الوالدة في مُفاوضاتها مع أي تاجر بغض النّظر عن السّلعة التي ترغب بشراءِها، سواء كانَت كيلو بطاطا أو جلابيّة للبَيت أو حتّى ليفة خشنة لتعذيبي بها في يوم استحمامي الأسبوعي. لا تزال كوابيس تلك اللّيفة سيئة الذّكر التي كانَت يَدا الوالدة تفرُك بها جسدي الصّغير في طُفولتي لتُزيل عنه كُل ما علِقَ به من غُبار وأوساخ اللّعب على مدار سبعة أيّام تُلاحقني إلى اليوم.
المُهم أن الوالدة كانَت في مُعظم الأحيان قادِرة على إلحاق أشد الهزائم بالباعة وَالخُروج مُنتصرة عليهم بصفقات ناجحة ولصالحها. أمّا بالنّسبة لي وبالأخَص عندما أصبحتُ على أبواب المُراهقة فقد كانَت مواقِف كهذه تتسبّب لي بالحرَج وتُفسِد علي مُتعة الاستمرار بالتسوّق. أشعُر بالملل وأنظُر إلى العمليّة التّفاوضيّة بين "الطّرفَين"، أي بينَ الوالدة وخصمها البائِع وتمسّك كُل طرف بموقفه وتعنّته في البداية، على أنّها ليسَت إلّا هَدراً للجُهد ومضيعةً للوقت. ولأنّني لم أكُن عندها قد تخرّجت من الجامعة بَعد ولم أبدأ بالعمل وكانَ كُل ما أريده يَصِلُني"على البارِد المستريح" دون عناء لم أحتَمِل الجدل والانتظار. فأبدأ بالنّق والتأفُف ونَكز الوالدة من الخلف بظهرها هامسة في أذنها، "يكفي، خلَص اشتريه ولنعُد إلى البَيت".
لم أكُن أدرك أن إدارة ميزانيّة البيت بالنّسبة لموظّف يكسَب رِزقَه من عرق جَبينه ويُعيل أسرة وينتظر استلام راتبَه نهاية كُل شهر من أشد المَهام تعقيداً وحساسيّة، وبأن أي سوء تقدير مهما كانَ بسيطاً قد يؤدي إلى دَمار أوطان بأكملها على رؤوس من فيها. كما أنّني لم أكُن أعلم أن الحصول على كُل ما تشتهيه العَين ليس بالأمر السّهل وبأنّه يتطّلّب الخَوض في عمليّة تفاوضيّة مُعقّدة تَقوم على حسابات دقيقة بالورقة والقلم.
كُل هذا وذاك تغيّر وانقلبت الأمور رأساً على عقب بعد التخرّج من الجامعة ونجاحي بالحصول على وظيفة وقبض راتِبي الأوّل الذي كدتُ أطير من الفرح عندما أصبح في جيبي. فهمت عندها أنّ الحياة أصعب بكثير ممّا نتخيّلها. بدأت أحتفظ بِجُزءٍ من الرّاتب لمصروفاتي الشّهرية وأُخبىء ما تبقّى منه "تحت البلاطة" على قاعدة "خلّي قرشك الأبيض ليومك الأسود".
لِيَف الاستحمام أو للدّقة لِيَف "التَعذيب" الأسبوعي، صيف 2016
زادَ حِرصي على قرشي مع مرور الزّمن وصارَت الوالدة تُناديني "أبو كمّونة". لا أدري ما هِيَ قصّة هذا المثل ومَن هو "كمّونة" ومن هو أبوه. في القُدس يُطلقونَ هذه الكُنية على البخيل الذي نادِراً ما ترى قِرشَهُ يخرُج من جيبه.
للحَديث بقيّة...
نُشِرَ في 8 نيسان 2021


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق