(14)
بينَ "ضِفتّين"
لَم يكُن العالم في ذاكَ الزّمن "قَرية صَغيرة" وإنّما قارات "قُرويّة" نائيّة عن بعضِها البعض، لا تعرِف الواحِدة منها ما يَجري في تلك الثّانيّة التي بِجوارِها. لم تَكُن ثقافة الاستهلاك مِن سمة العصر ولم تَغزُ العولمة بعد نمط حياة النّاس التقليديّ البَسيط على اختلاف تعقيداته. كما أنّ شَغَف السّفر والتّرحال واستكشاف أماكن جديدة خارج حُدود الوطن لم يكُن الشّغل الشّاغل لأبنائه.
إعلان للخطوط الجويّة اللّبنانيّة عن موعد رحلاتها الأسبوعيّة من بيروت إلى القُدس
فالبلاد جامعة تَضاريسَ كَوكَبٍ بأكمله. لا تَفتَقِر إلى الجِبال ولا السُّهول ولا البِحار ولا الأنهار. كما أن فصولها المناخيّة السّنويّة الأربعة واضحة كالشّمس ويُميّز كُلَّ واحِدٍ منها زهرَة أجمل من الأخرى. لا، بل على العَكس من ذلك، فقد كانَ الآخرون يأتون إليها ولو كلّفهم هذا وذاك عناء قَطع آلاف الأميال. يَستمتعون بالتّجوال في رُبوعها ويُغّذون أنظارهم بِجمال طبيعَتها الخلّاب ولو لبضعة أيّام. أمّاَ وإن حدثَ أن رغِبَ أحَدٌ يوماً أن يستريحَ من الوطَن ويبتَعِد عنه لفترة زمنيّة قَصيرة فإنّه يُدرِك تماماً في الوقتِ ذاته أنّ الخيارات أمامه محدودة وبأنّ الرّياح لا تهّب دائماً بما تشتهي سُفُن التمنيّات.
فيروز إلى القُدس وترنيمة "الأم الحزينة" استعداداً لزيارة البابا بولص السادس عام 1964
![]()
فالحال بعد "عام الرّعد" ليسَ كما قبله،
والسّفر بينَ بِلاد "الأشّقاء" باتَ من المهام الصّعبة وأضحى عمليّة مُشربكة
ومُتشابكة، إن لم تكُن مُستحيلة أحياناً. عدا عن هذا وذاك، فإنّ الأوضاع
الاقتصاديّة لا تَسمح بذلك ولائحة الأولويات الأكثر إلحاحاً طَويلة، ليسَ أوّلها
تأمين مأكلٍ وملبس ومَسكَن وَآخرها توفير نفقات التّعليم والطّبابة فحسب وإنّما
أيضاً تشمل ادّخار قِرشَين لتغطية مصاريف رِحلة صيفيّة يتيمة للِقاء أحبّة نَكَبتهُم
نَكسات وغرَّبتهم نَكبات وانتهى بهم المصير على "الضفّة الأخرى". ضِفَة
وإن بَدَت لا تَبعُد سوى أمتار قليلة عن توأمِها إلّا أن الوُصول إليها باتَ درباً من دُروب
الآلام الفلسطينيّة الكثيرة.
لم يعُد لِقاء الأخ بأخيه سهلاً بعد أن شطرَ "الرّعد" الأرض إلى "ضِفّتَين"، واحدة "غَربيّة" يُطلَق عليها الأراضي الفلسطينيّة المُحتلّة وثانيّة "شرقيّة" وتُنسَب إلى مملكة الهاشميّين. كانَت "الأولى" تحتَ وصاية "الثّانيّة" حتّى ذاكَ اليوم "الحُزيراني" المشؤوم من العام 1967. باتَ جسرٌ يفصِل بينَهُما اختار له "الأخوَين رحباني" اسم "جسر العودة"... بَقيَ الجِسر ولم تتحقّق العودة.
على الرّغم من أنّ المسافات بَقِيَت تبدو قَصيرة في نظر صاحب الأرض القريب والزائر الغَريب على حدٍّ سواء إلّا أنّها كانَت تزداد بُعداً يوماً تلو يوم وعاماً تلو عام وعِقداً تلو عِقد. وباتَ لِقاء الأحبّة من جَديد من الأماني كَي لا نقول أنّه من المُعجزات. يتطّلّب اجراءات تستنزف جُهداً ووقتاً كَبيرَين قبلَ عَقد العَزم وحَزم الأمتعة والتوجّه شَرقاً ومن ثمّ الانتظار ساعات تحتَ أشعّة شمس تمّوز الحارقة من أجل المرور من مَعبر صارَ يُطلَق عليه جسر الملك حسين "أردُنيّاً" وجسر اللنبي "اسرائيليّاً".
رُغم ذلك، فقد كانَت أحاديث الفلسطينيين قبل السّفر إلى الضّفة الشّرقيّة وبعد العودة منها إلى "ضّفتهم" لا تتوقَف. تَطول وتتحوّل إلى ذكريات وحكايا تُروى على مسامع الأبناء والأحفاد بِحُلوِها ومُرّها. تُثير غَضب المُستمع عندما يسردون أمامه ما تعرّضوا لهُ من إذلال أحياناً وتجعله يفرط من الضّحك لما يتخلّلها من طرائف أحياناً أخرى. أمّا عُنصرا التّشويق والإثارة فيها فيزدادان عندما يُحدّثك الكُهول عن تنكَات الزّيت والجبنة والزّيتون التي أعدّوها و"نتعوها" معهم على رؤوسهم إلى الضّفة الشرقية لأنّها "من ريحة الوطن"، أو عندما يتباهون بانتصاراتٍ حقّقوها على الإسرائيليين الذين لم ينجحوا إلّا بمُصادرة نِصفها بعد أن "دلقوا" نِصفها الآخر على الأرض أمام أعينهم، أو عندما يستحضرون ذكرياتهم أثناء عودتهم إلى الأرض المُحتلّة بعد أن "قشّطّتهُم" مُجنّدة شقراء اسرائيليّة عشرينيّة أصفاط الحلو التي حملوها معهم كهدايا لعوائلهم وأصدقائهم وجيرانهم وذلك خشية أن يكونوا قد حشوا بينها مُتفجّرات.
العاهل الأردني الرّاحل الحُسَين بن طلال يُشعِل سيجارة لرئيس الوزراء
الأسبق الرّاحل اسحق رابين بعد التّوقيع على مُعاهدة وادي عربة في العام 1994
بالنّسبة للمقدسيين والذين أصبحوا بعد العام 1967 كسائر أبناء الضّفة الغربيّة يَحملون جوازات سفر أردنيّة "مؤقتة" يجري تجديدها مرّة كُل عامَين، فكانَ يتوجّب عليهم عند الرّغبة بالسّفر إلى الأردن استصدار وثيقة سفر اسرائيليّة تُسّمى "لاسيباسيه" وذلك من مكتَب "الدّاخليّة" الاسرائيلي الكائن في شارع نابلس في القُدس. يَقوم أحد المُوّظّفين الذي يعمل لدى مكتب "الدّاخليّة" بتعبئة الطّلب له على آلته الكاتبة خارج المبنى مُقابل بضعة قُروش، ومن ثمّ يُسّلم المُتقدِم الطّلب بنفسه داخل المبنى.
الطَريق إلى معبر الملك حسين عبر أريحا (جسر اللنبي) والمُخصّص لحملة هويّة القُدس
تكون المُراجعة بعد أسبوعَين في أحسن الأحوال. موعِدٌ تَقديري دون الإشارة إلى تاريخ أو ساعة مُحدّدَين، أي أنّ ذلك لا يعني بالضّرورة أنّ "اللاسيباسيه" ستكون في جيب صاحبِها بعدَ مُرور تلك الفترة. فقد يُطلَب من المُتقدّم وبالأخص إن كانَ شاباً في مُقتبل العُمر العودة مرّة تلو أخرى بذرائع مُختلفة كالادّعاء مثلاً أن الأوراق المطلوبة غير مُكتملة، أو بأنّ الصّورة الشّخصية المُرفقة على الطلب لا تنطبق على ملامحه في الواقع أو لأنّه قد تبيّن أن سجّله "الأمني" ليسَ "نَظيفاً" ويتطلّب المَزيد من الفَحص.
لم يكُن الاستعداد للسفر من الضّفة الغربيّة إلى الضّفة الشرقيّة يقتصر على الأخذ بالاعتبار مُتطلبّات عُبور "جسر العودة" من الناحيّة الاسرائيليّة فحسب، فالمرور من الجانِب الأردني بِسلام لهُ شروطُه أيضاً وَعليكَ أن تُدرِك بأنّ أي قطعة ملابس في حقيبتك تحمل لُصاقة (ماركة بيانيّة) مكتوب عليها حَرفٌ واحِدٌ بالعبريّة كافيّة لأن تُعيدك من حيث أتيت.
كانَت هذه المُهمّة في العادة مِن مسؤوليّة الوالدة في كُل صَيف قرّرنا فيه التّوجه إلى الضّفة الشّرقيّة لزيارة شقيقتها الكُبرى والتي انتهى بها المَصير في الأردُن بعد العام 1967. أجلِس بقُربها على السّرير وأراقِب ماذا تَفعَل وأعرض عليها مُساعدتي. تَسهر اللّيالي وهِيَ "تُفّلّي" ثيابَنا، أنا وأبي وهِيَ، قبلَ أن تضعها في الحَقيبة. تُتمتِم في عُبّها وتدعو ربّها أن يُيسّر أمامنا الطّريق. تتساءَل همساً إن كانَ الوصول سيستغرِق دَهراً أم لا؟! تَختلط مشاعر الشّوق لديها بالخشيّة من عدم النّجاح بالوصول لسببٍ تافه أو آخر غير وجيه. وعندما يتّحقّق الحُلم تتغلّب فَرحتها بلَم شَمل باتَ مؤقتّاً على نكَد غُربة تستشعِر ديمومتها.
يمّر شَهر علينا هُناك في بَيت الخالة المُتواضِع نَعود من بعدِه إلى "ضّفتنا" من جديد عبر دَرب الآلام ذاته حاملينَ معنا أجمل الذّكريات وأطرف الحكايات. أمّا أمّي فلا يفوتُها يوماً أن تَنفُضَ غُبار "مشوار العُمر" عن طقم فناجين القهوة الصّيني الذي كانَت قد غلّفتهُ بطبقات من ورقات جَريدة قَديمة وحملتهُ معها بحرصٍ شَديدٍ في حقيبتها من "الضّفة الأخرى" خشية أن ينكسِر في الطّريق وصَمَدته من ثُمّ في الخَزانة ولم تستخدمه إلّا في مُناسباتٍ خاصَة.
للحَديث بقيّة...
نُشِر في 22 نيسان 2021


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق