(7)
أوتوغراف
لا يزال معي منذُ أن أعطتني إيّاه قبلَ أربعينَ عاماً لأَخُطَّ لها على إحدى صفحاته الوَردية بضعة سُطور للذكرى. نَسيت وبَقِيَ معي إلى أن وجدتُه بينَما كُنتُ أنبش أوراقاً وصُوَراً قديمة خِلال الشُّهور الأخيرة. لم يَنَل الزّمن مِنه ولم يتأثر بأحداثٍ عَصفت بالمكان. ظلَّ على حالِه وكأنّني استلمته منها بالأمس القَريب. تنقّلَ مِن بِلدٍ إلى بِلدٍ ومِن بيتٍ إلى بيت دونَ أن أَنتبه أنّه في إحدى حقائبي وكأنّه اقتنصَ اللّحظة المُناسبة وتعمّدَّ أن يُفاجئني بظهوره بعد كُل هذه السّنين ليُحَفّزَ ذاكِرَتي ويُثري مُدّونتي.
جَرَت
العادة مع قُرب إنتهاء العام دِراسي وبدء الاستعداد للعُطلة الصيفية
السّنويّة نهاية "أيّار" أن نَتبادل نحنُ بَنات الصّف "الأتوغرافات".
والأوتوغراف دَفتر صغير صَفحاتُه ملوّنّة وغلافه في العادة صورة لزهرة أو
حيوان
أليف أو منظرٍ طبيعي. نَكتُب فيه لبعضنا بعضاً عِدة سُطور للذكرى نُرفِقُها
برَسم أو مُلصق إلى جانِب التَوقيع.
سُطور مِن أتوغرافي تَعود إلى أكثر من ثلاثينَ عاماً
أكثر من خمسة وثلاثينَ عاماً مَضوا على تَخرّجي من كلية شميدت للبنات في القُدس عام 1982. قضيتُ في تلك المدرسة عشر سنوات من عمري بمراحلها الثلاث، الإبتدائية والإعدادية والثانوية لا أزال أحملُ معي منها الكَثير مِن الذّكريات بأدق تفاصيلها. المُعلّمات والأساتذة، أسماء بنات الصّف، أحاديث تبادلناها، أسرار بُحنا بِها لبعضنا البعض، هُموم تشاركناها، أفراح وَأحزان عِشناها معاً.
مبنى كُلّية شميدت للبنات التّاريخي في القُدس والذي شُيّد عام 1886
أذكُر مِس "أنّا" بوجهها السّمح الذي كان يَبعث على الرّاحة والاطمئنان فينا كأطفال في المرحلة التمهيديّة.
أذكُر مِس ميمي وحِصص اللّغة العربيّة وَمِس إيفيت ودروس "الإنكليزيّة" في المرحلة الابتدائيّة. أذكُر مِس هُدى وحِصص الحساب قبل أن تغزو الرّياضيات المُعاصرة مناهجَنا وَتُربِكنا. لم تُفارق الابتسامة وجهها ولم تستطِع أن تُخفِيَ ضحكتها كُلّما رفعت سبّابتي للاستفسار عن أسباب التمييز بتوزيع الميراث بينَ الإناث والذّكور في المسائِل المَطلوب منّا حلّها في كِتاب الحِساب. كانَ الحصول على رَدٍ منها أهم بالنسبة إليّ من الانشغال بحل المسائل ذاتها.
بضعة سُطور تِذكاريّة من أتوغرافي الخاص بقلم الأستاذة إيفيت كُتّاب مُدّرسة اللّغة الإتجليزيّة
أذكر مِس نادية وهِيَ في عِقدِها الثّاني بِبشرتها القَمحيّة وشعرها الأسود المَسدول على كَتفيها وكأنَ جمالَها الشّرقي جاء ليَضيفَ وهجاً لطلاقة لسانها بلُغة الضّاد. أذكُر حِصص النّحو والقواعد والشّعر والبلاغة معها في نِهاية المرحلة الابتدائية.
سُطور بقلم الأستاذة هُدى هدمي مُدّرسة مادة الرّياضيّات
أذكُر مِس إلن وحصص الجغرافيا والمسطرة مُتعددة الاستخدامات التي لا تُفارِق يدَها. تارةً تُلوّح بها لتوبّخنا وأخرى لتُشير بها إلى خريطة الوطن العربي المُعلّقة أمامنا على الحائِط.
أذكر مِس سامية وحِصص التّاريخ التي كانَت في العادة بعد الظّهر، حيثُ كانَ تعب اليَوم يبدو جليّاً على وجهها والنّعاس قد تغلّبَ عليها...وعلينا.
سُطور تِذكاريّة بقلم الأستاذة سامية الحُسيني مُدّرسة مادة التّاريخ
لا أزال أذكر الأستاذ آرثر أُسترالي الأصول بعينيه الزرقاوتَين وقد انضمّ إلى الطاقم التدريسي في كُلية شميدت عندما وصلنا المرحلة الإعدادية ليُكمل معنا مسيرة تعلّم "الإنجليزيّة". كما أنّني لا أنسى أستاذ حِجّة بلكنته الخليلية المطّاطة وكيفَ تمكّن مِن أن يُجعَل مِن مادة الرياضيات المُعاصرة الجامِدة والطارئة علينا موضوعاً مُمتعاً وأقلَ تعقيداً.
أذكر أستاذ جورج وهوَ الآتي صباحَ كُل يوم إلى القُدس من بيت لحم جَنوباً ليُباشرَ معنا مسيرة تَعلّم "العربية" في المرحلة الإعدادية ومِن ثمّ أستاذ خالدي في المرحلة الثانويّة النّهائيّة والذي كانَ قد اقترَبَ من السّبعين.
صورة مع بنات الصّف في الثمانينيات
لا أزال اذكر مِس غادة وحصص الأحياء ومِس سميرة وحِصص العُلوم ومِس نَظيرة والأب أنطون وحِصص الدّين.
لا زلتُ أذكر الأخت "كونستانسيا" الألمانية وعزفها الجميل على الجيثارة وحصص رَقص الباليه على أنغام بُحيرة البجع والأخت "راديجوندس" وعصبيتها المُفرطة في حصص الكيمياء وكيفَ كانَت تقذِفنا بالطّباشير كُلّما خرجت عن طورها بسبب مُشاغباتِنا.
لا زلتُ اذكر الأخت "ريناتا" وحصص "الألمانية" وثقل ألفاظِ اللّغة وصُعوبة قواعدها.
صاحِبة المُدّونة ترتدي قُبّعة وتؤدي دوراً تمثيليّاً على خشبة مَسرح المدرسة
ومّن ينسى "السير فاهيه" بلكنته العربيّة الأرمنيّة وعَزفِه على البيانو والأكورديون في القاعة المَدرسيّة وتَدريبنا يوماً تلو يَوم لساعات على الغناء استعداداً للحفلات المدرسيّة قُبيل عُطلة الميلاد المجيد وفي نهاية العام دّراسي. كَم كانَ يُضحكنا كُلّما ذكّر المؤنث وأنّث المُذكّر وصَرخَ بغَضَب "اقعُد" بدلاً من اقعدي و"اسكُت" بدلاً من اسكتي.
ومن ينسى مِس آية بروحِها المَرشحة في حِصص الفن والرّسم والأشغال اليدوية والمسرح والتمثيل والتدبير المنزلي.
لا أزال أذكُر أستاذ ميشيل وحصص الرّياضة والجمباز وكرة السّلة وكرة اليد واستعداداتنا للمهرجان الرّياضي الدّوري الذي كانت إدارة المدرسة تُنّظمه سنوياً مع اقتراب نهاية العام الدّراسي.
ومَن ينسى مِس أنجيل، مُديرة كلّية شميدت للبنات التي كانت تُباغِتنا بجولاتها لتتأكد بنفسِها من أنّ العمليّة التّعلميّة تسير على ما يُرام ولتتفقد نظافة أظفارَنا وزيّنا المدرسي وأحذيتنا.
أذكر تمرّدنا الثوري وسجالاتنا معها في ذكرى المُناسبات الوطنية التي كانت تشهد فيها مدينة القُدس وسائر أنحاء مُدن الضّفة الغربية المُظاهرات والاحتجاجات والإضرابات التّجاريّة. كَم من الجُهد كُنّا نبذل لإقناعها بواجب إغلاق المدرسة تماشيّاً مع الظّروف في المُحيط. نغضب ونحتَج ونَعترِض عندما كانت ترفض ولكّننا لم نيأس ونُواصل المُحاولة إلى أن نصِل معها إلى حلول وسَطيّة تقضي بتعليق الدّراسة لساعتين فقط حيثُ نَعتصِم في ملعب المدرسة ونُردّد الأناشيد الوطنيّة ومن ثمّ نعود إلى صفوفنا لإستكمال الدّراسة. ربّما استغرقنا أربعين عاماً لنُدرك بأنّ مِس أنجيل كانت على حق وبأن التّعليم هو أفضل ما يجب أن نتسّلح به.
لا أزال أذكر بنات الصّف... سحر وإيناس وتنافُسنا على الحصول على المرتبة الأولى في الصّف مع انتهاء كُل فصلٍ دراسي والشّقيقَتَين التوأم سناء ووفاء اللتَين كان الشّبَه بينهما كبيراً ويصل إلى حَد تَستطيع معهُ أحدهُما أن تنوب عن الأخرى إن تمّ مُعاقبة أحدهما بالوقوف في إحدى زوايا غُرفة الصّف.
أذكر مها وريم اللتين كانتا تُقيمان في القسم الدّاخلي من المدرسة وتذهبان إلى غزّة لقضاء الإجازة الأسبوعيّة مع أسرتيهما وكيلإض كُنّا ننتظر عودتهما بفارغ الصّبر لالتهام الدّقة الغزّاوية التي كانتا تُحضراها معهُما.
لا أزال أذكر كيف كانت مُربيّة الصّف تختار أحدنا دورياً عريفة صَف مِن مَهامها رفع التقارير إلى "الهيئات العُليا" عن أي سوء سلوك أو تصرف يصدُر عن أيّ منّا. لا أذكر أبداً أنّ واحِدةً من عريفات الصّف وَشَت بأخرى وكأنّ عَقداً أخلاقيّاً ضمنيّاً على ذلك كان بيننا. لقد كُنّا في الصّف أسرة واحدة "على الحلوة والمُرّة" حتّى لو كان ذلك ليُكلّفنا الطرد جماعيّاً من المدرسة وحرماننا من حفل التخرّج.
أذكر رِحلاتنا المَدرسيّة في ربوع فلسطين للتَعرُّف على مصنع النسيج في بيت جالا ومعامِل الزّجاج في الخليل والصّابون في نابلس.
أذكر مِس جورجيت التي كانت تُرافقنا أثناء عودتنا إلى بيوتنا في حافلة المدرسة الخاصة. كانت تطلب من السّائق يوميّاً أن يتوقف لبضعة دقائق بالقُرب من فُرن وادي الجوز الشّهير كي تشتري بضعة أرغفة للبيت. كانت رائحة الخُبز الشّهية تَفوح من المخبز عن بُعد أميال.
أذكر
ساعات
الدّراسة الطّويلة حتّى الفجر استعداداً لامتحانات الثانويّة العامة،
التوجيهي وساعاتٍ قضيناها معاً في الحديث عن الاستعدادات لحفل التَّخرُج
ومحلّات بَيع الأقمشة والخيّاطين في القُدس وعن الأثواب البيضاء طَويلة التي سنَرتديها في ذاكَ اليَوم وكيفَ وقفنا كالعرائس من ثمّ على خشبة المسرح في صيف العام 1982 نُردّد نشيدَ المَدرسة ونستلم شهاداتنا
لنطويَ معاً أجمل صّفحات العُمر ولِتشقّ كل واحدة منّا فيما بعد طريقَها في
هذه الحياة ولأعثُرَ أنا بعد خمسة وثلاثينَ عاماً على أتوغراف أَمَل بينَ صُوري وأوراقي.
للحَديث بقيّة...
نُشِرَ في 4 آذار، مارس 2021

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق