(19)
حوار مُتخيّل
ترّبّعَ أبو ميشيل كعادَتِه بالقُرب مِن كانونِه لكّنّه كانَ وحيداً هذه المرّة. لم يجلَس أحفاده حوله. كانَ كُلٌّ منهم يجلس في زاوية من زوايا البيت بعيداً عن الآخر مُنشغِلّاً بالحاسوب الذي أمامه أوَ "الأيفون" الذي بيده. لم تأتِ إم ميشيل كعادتها بالزّيت والزّعتر على الطبليّة ولم تُعّد أرطالاً من مُرّبى المِشمش الشّتوي كما كانت تفعل عاماً تلو العام. فلَقد قرّرت أن تَرحَل بعيداً وتترك أبو ميشيل يَخوضَ تجربة الحياة وحده من بعدها. مضَت عُقودٌ على انتقالِها إلى جِوار ربّها كانَت حافلة بالأحداث آخرها جائحة اجتاحَت كوكَب الأرض. أُصيبَ أبو ميشيل بها لكّنه رغم كِبر سنّه تعافى منها بسُرعة. فالحَجر المنزلي باتَ نمط حياة بالنّسبة لهُ وليسَ ضرورة واجبة. بدأ أبو ميشيل بالسّعال فطلَبَ كأس ماء مِن أحد أحفاده الحاضرين الغائبين لكّنّ أحداً منهم لم يلتفِت إلى طلبه. صَرَخَ فجأة، أكاد أفقد عقلي، إرحموني... عندها فزّ الأحفاد مِن مقاعدهم وانتبهوا لوجوده...
شاهدتُ دخول أوّل سّيارة إلى البلدة بعد أن كُنّا نتنقل على ظهور الحمير والجمال والخيول
شاهدتُ تحليق أوّل طائرة في السّماء واعتقدت عندما لوّحت لها بيدي أنّ مَن فيها على التّحيّة سوفَ يردّون!
شاهدتُ انطلاق أوّل صاروخ إلى الفضاء بعد أن كنّا نعتقد أن العالَم ينتهي في الحقل عند شجرة زيتون
شاهدتُ أوّل هبوط مركبة فضائيّة على سطح القمر بعد أن ظنّنا أنّ أحداً لن يصلَه كائناً مَن يكون
شاهدتُ اختراع التّلفون الذي انفعلتُ له وقلّبت سماعته للمرّة المليون
شاهدت الغَسّالةَ الأوتوماتيك بعد أن اهترأت يدا إم ميشيل من كثرة الفَرك بالصّابون
للحديث بقيّة...
نُشِرَ في 27 أيّار، 2021
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق