الأربعاء، 26 مايو 2021

(19)

حوار مُتخيّل

ترّبّعَ أبو ميشيل كعادَتِه بالقُرب مِن كانونِه لكّنّه كانَ وحيداً هذه المرّة. لم يجلَس أحفاده حوله. كانَ كُلٌّ منهم يجلس في زاوية من زوايا البيت بعيداً عن الآخر مُنشغِلّاً بالحاسوب الذي أمامه أوَ "الأيفون" الذي بيده. لم تأتِ إم ميشيل كعادتها بالزّيت والزّعتر على الطبليّة ولم تُعّد أرطالاً من مُرّبى المِشمش الشّتوي كما كانت تفعل عاماً تلو العام. فلَقد قرّرت أن تَرحَل بعيداً وتترك أبو ميشيل يَخوضَ تجربة الحياة وحده من بعدها. مضَت عُقودٌ على انتقالِها إلى جِوار ربّها كانَت حافلة بالأحداث آخرها جائحة اجتاحَت كوكَب الأرض. أُصيبَ أبو ميشيل بها لكّنه رغم كِبر سنّه تعافى منها بسُرعة. فالحَجر المنزلي باتَ نمط حياة بالنّسبة لهُ وليسَ ضرورة واجبة. بدأ أبو ميشيل بالسّعال فطلَبَ كأس ماء مِن أحد أحفاده الحاضرين الغائبين لكّنّ أحداً منهم لم يلتفِت إلى طلبه. صَرَخَ فجأة، أكاد أفقد عقلي، إرحموني... عندها فزّ الأحفاد مِن مقاعدهم وانتبهوا لوجوده... 

الأحفاد: ماذا بِك يا جِدّو؟ 
  أبو ميشيل: رؤيتكُم هكذا تكاد تتسبب لي بالجُنون
الأحفاد: لماذا يا جدّو
أبو ميشيل: أكاد لا أصّدق أنني ما رأيت طيلة أعوامي "التّسعون"!
الأحفاد: ماذا يا جدّو؟ حدّثنا، ماذا رأيت
أبو ميشيل: عندما تبدأون بالإلحاح لا تتوقّفون ولا تيأسون
حسناً، إليكم ما أستطيع أن أتذكره ممّا رأته العُيون
شاهدتُ الضّيعةَ وقد وصلتها للمرّة الأولى الكهرباء بعد أن كانت غارقة في الظلام على مدار "قُرون"
شاهدتُ دخول أوّل سّيارة إلى البلدة بعد أن كُنّا نتنقل على ظهور الحمير والجمال والخيول
شاهدتُ تحليق أوّل طائرة في السّماء واعتقدت عندما لوّحت لها بيدي أنّ مَن فيها على التّحيّة سوفَ يردّون!
شاهدتُ انطلاق أوّل صاروخ إلى الفضاء بعد أن كنّا نعتقد أن العالَم ينتهي في الحقل عند شجرة زيتون
شاهدتُ أوّل هبوط مركبة فضائيّة على سطح القمر بعد أن ظنّنا أنّ أحداً لن يصلَه كائناً مَن يكون
شاهدتُ اختراع التّلفون الذي انفعلتُ له وقلّبت سماعته للمرّة المليون
شاهدت الغَسّالةَ الأوتوماتيك بعد أن اهترأت يدا إم ميشيل من كثرة الفَرك بالصّابون
شاهدتُ البرّاد الذي بالكاد كان بمقدورنا أن نشتريه ونضع فيه حبة ليمون 
شاهدتُ التلفزيون الذي طالما تساءَلت كيف في داخله كُل هؤلاء يَجلِسون! 
شاهدتُ "الفيديو" الذي اختفى بسُرعة قبل أن استوعب لماذا هَروَل على اقتنائه المُشتَرون
شاهدتُ الحاسوب الذي لم تعودوا تُفارقونه إلّا وأنتُم "نائمون".
شاهدتُ "الأيباد" الذي لا تكفّون عن التقاط الصّور لي به بكافة أشكال التّقنيّات والفنون
شاهدتُ "الأيفون" الذي سلبَني اهتمامكم بي ولم يعد أحد منكم يذكُر من أكون
هل بعد كُل هذا لا تَزالون تتساءَلون لماذا يخشى جِدّو في آخر عمره الجُنون؟!
 
 

أبو ميشيل

 
 

للحديث بقيّة...

نُشِرَ في 27 أيّار، 2021

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أوتوغراف