الأربعاء، 2 يونيو 2021

(20)

وَرد

لم أتوقّع أن أراهُما بعد كُل هذه السّنوات. كما في ماضٍ باتَ يبدو بَعيداً اليوم جلستا على كُرسيَين خَشبيّين مُهترئَين في محلّهما المتواضع داخل البلدة القَديمة في القُدس. ضَعُفَ النّظر وَغَزا الشّيبُ شعرَ الرأس. أمّا الوُرود فلا تزال تُحيط بهما على الأرض من كُل الجهات. منها ما تفتّح وأزهَر ومنها ما ذَبُل وانحنى إلى الأسفل. تجاوزتُ عقدي الخامس أمّا هُما فأوشكتا على ثامنهما. 

دَخلتُ، مددتُ يَدي لأصافحهُما. بدت الدّهشة جليّة على مَلامح وجهيّهِما. كانَ واضِحاً أنّهُما تَجِدان صُعوبة في التّعرّف إلي. اقتربتُ  أكثر وحاوَلتُ أن أُذّكّرهُما بمَن أكون. قدّمتُ إليهما وَجد وعُمَر. تأثرّتا، أدمعَت عيونُهما ومِن ثُمّ أخذتانا بقوّة في الأحضان. فلقد كانَ آخر لقاء جمعني بهما مذ كُنتُ طِفلة في مُنتصف عُمر "وَردَتيّ". كانت الوالدة تُصّر في كُل مرّة نَمّر فيها من شارع بطريركيّة اللّاتين أن تُعرّج لتُلقي التّحيّة على الشّقيقتين وتَطبعَ قُبلَتَين على وجنتي كُلٍّ منهما، وفورَ خُروجِنا كنتُ في كُل مرّة أكرّر عليها السؤال ذاته، "مين هَدول؟" فتُجيبني بحماسة " بنات عمتّي، كانتا تعيشان مع والديهما بجوارِنا في حَي القطمون قبل العام 1948". 

تبادلتُ معهما حَديثاً مُقتضباً استحضرنا خلاله بعضاً مِن ذِكريات الماضي. منها ما أحزَننا ومنها ما أضحَكَنا. تركناهُما مِن ثُمّ إلى عالَمهما...إلى عالم الورود والأزهار. وما كِدنا نخرُج من عَتبة المَحل حتّى وصَل السّؤال ذاته إلى مَسامعي لكّن هذه المرّة لم أكُن أنا مَن يسأل وإنّما مَن يُجيب، "مين هَدول؟" لأرّد بدوري بِدفء صوت أمّي ذاته وحماستها، إنّهما بنات عمّة جدّتكما...كُنّ جميعاً يعِشن في حَي القَطمون قبل العام 1948.  

 "وَردَتا(يّ)"، باب الخليل،البلدة القَديمة/ القُدس حيثُ كانَ الجّد أبو ميشيل يمّر يوميّاً في طريقه إلى مقهاه، "قهوة المُختار"/ آب 2019

بِ"وَردَتَيّ" عُدتُ إلى الماضي ومعهما عبرتُ إلى الحاضِر. إنّهُ اللّقاء الثاني عشر بالتّتالي الذي يجتمع فيه ثلاثَتُنا هُنا، في مَسقط الرأس منذُ كانَ الفراق الكبير. تقليدٌ مُقدّسٌّ لم نُفوّته عاماً. قُدّاسٌ سنوي يُشبه ذاكَ الأسبوعي الذي كانت تَنتظره الوالدة مِن الأحَد إلى الأحد  كَي تصحبني معها لحضوره. حَجٌّ نؤدّيه في مثل هذه الأيّام من كُل عام. صَلاةٌ لم أمّلّها يوماً أو أفتعل الحِجَج للتهرّب منها. فريضةٌ لم تتوقّف إلّا في عامٍ مشؤوم اجتاحَ فيه وباءٌ كونيٌّ كوكَباً بأكمله ليُربِكَ بشراً ويُحوّلَ تَقليدَنا إلى نُصوصٍ أخطّها على ورق لعلّها تُنير مُستقبلاً كَي لا يكونَ قاتِماً.

عِقدٌ وعامان لم تُفارق عدساتُ الكاميرات العَين. لَم نترك شارِعاً وَحيّاً وَزِقاقاً وَسوقاً وَجامعاً وكنيسة ومَعلماً ومقهىً وَحانوتاً وحجراً وباباً جَمعتنا بِه ذكريّاتٌ إلّا والتقطتنا لهُ ومعه صُوراً. مرّت أزمان تبدّلّت فيها أحوالٌ وأحوال. باتَ المكانَ حزيناً اليَوم لكّن حِجارته بَقِيَت على حالها، صامِدة، شامِخة، عراقتُها عصيّةً على التغيير. سِرنا على دَربِ أمّي مرّة تلو الأخرى، تارةً ذِهاباً وأخرى إياباً. لم نكّل ولم نمّل. غذّت العين النّظر بأصالتِها ولامَسَت الأقَداَم بَلاطها المُقدّس. تنّقّلنا مِن شَرقِها إلى غَربِها ومِن غَربِها إلى شَرقٍها كما كانَ يفعَل أبو ميشيل قبلَ العام 1967، عام الرّعد. فالأقدام لا تعترِف بالحُدود ولا تأبه بالجُغرافيا ولا تكترث للتاريخ. أعلّناها بِصوتٍ واحِد رُباعيّ الأجيّال عاصمةً أبديّةً ومُوّحدّة لوطَنٍ كانَ في الماضي  ولا يزال في الحاضِراسمه فلسطين.

أزّقة البلدة القَديمة في القُدس، آب 2019 

دَخلنا السّوق. مَشينا هُناك ساعاتٍ وساعاتٍ دون أن نشعر أنّ الزّمن قد خَطفنا. رأينا مُتسوّقّين يُساومون الباعة كما كانَت الوالدة تفعل قبل أن تهزمَهم بعنادِها. اشترينا الزّعتر الذي كانَت تأتينا به إم ميشيل على طَبليّة خشب في بيت أبو ميشيل أيّام الشّتاء. عَشِقَت أجسادُنا ِرائحة التَوابل وثِيابُنا عِطر البُخور.


 داخِل السّوق من جهة باب العامود (بوّابة دِمشق)/ البلدة القديمة القُدس، 2019

تسلّلنا خلسةً من بوّابة دير الرّوم الأرثوذكس في حارة النّصارى بعد أن فَشلنا في إقناع حارسَه بالدّخول بالطّرق الشّرعيّة. ألقى ثلاثتُنا نظرة على بَيت أبو ميشيل من الخارج. التقطنا صُوراً لمدخله المُحاط بالورود. تجوّلنا فَوق سطح قُبّة القِيامة حيثُ تنطلق احتفالات سَبت النّور في ربيع كُل عام. رأينا بيرَ الماء الذي كانَت إم ميشيل تملأ الدّلوَ منه بماءٍ عَذِبٍ وتملأ الجِرارٍ الفُخّاريّة به لتُخزّنه في غُرفة المونة وتحفظَ بُرودته في فصل الصّيف. أحنينا رؤوسِنا إلى أسفل. نظرنا إليه  فبدا صافياً، نقيّاً لم تُلوّثهُ غُبارُ رياحٍ شديدةٍ عصفت بالمكان.

باب دير الرّوم الأرثوذكس، صَيف 2018

 

تنقّلنا مِن حَي إلى حَي ومِن حارة إلى حارة ومِن زِقاقٍ إلى زِقاق. كانَ الفُضول يدفعنا لاستكشاف ما يحّل بالمكان عاماً بعد الآخر. نُحاول أن نتلصّص على ما تُخفيه أبوابٌ تُرِكَت نِصف مَفتوحة مِن أسرار السّحر والجمال. رأينا جيراناً يتبادلون الأحاديث الصّباحيّة من خلف قَضبان نوافِذ البيوت المُتلاصقة ببعضها البعض. سَمعنا آهات الجُدود وأنّات الجدّات وشَكواهم ممّا آلت إليه الأوضاع في المدينة.
 

بير الماء فوق سطح كنيسة القِيامة حيثُ كانَت أم ميشيل تملأ الدّلو، آب 2019

لم نكُن سائحين رُغم الكاميرات التي تدّلّت على صُدورِنا والقُبّعات التي وضعناها على رؤوسنا لِتقينا حرارة شمس صّيف ألِفناه. كما أنّنا لم نكُن مُغتربين عادوا للتَو من شتاتٍ خلّفتهُ نكباتٌ ونكسات لتقبيل تُراب الوطن ومن ثمّ العودة إلى المنافي والمهاجر. كُل ما في الأمر أنّنا عَقدنا العَزم على أن نُراكِمَ "ثروة" فوقَ "ثروة" وإرثاً فوق إرث وقطعنا عهداً على أنفسنا أن نكون مُوّثِقّين مُؤتمنين على نقل الحكاية...حِكاية وإن باتَت تبدو اليَوم وكأنّها على حافة الاندثار إلّا أنّنا نماك أن نُحييها من جَديد. وعلى الرّغم مِن شعور الاغتراب عن المكان من حينٍ لآخر إلّا أنّنا كُنّا واثقين أنّنا لسنا غُرباء فيه بَل أصحاب حَقٍ وأهل بَيتٍ لنا جُذورٌ فيه مُمتدّة أباً عن جدّ وجَد الجدّ.

  

 نُشِرَ في 3 حُزيران، عام 2021...
الوَرد مِسك الخِتام أمّا البقيّة فَ.........


 

 

 

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أوتوغراف